المشاركات

عرض المشاركات من 2016

علاج العحب

. بيان علاج العجب على الجملة اعلم أن علاج كل علة هو مقابلة سببها بضده، وعلة العجب الجهل المحض، فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل فقط، فلنفرض العجب بفعل داخل تحت اختيار العبد كالعبادة والصدقة والغزو وسياسة الخلق وإصلاحهم؛ فإن العجب بهذا أغلب من العجب بالجمال والقوة والنسب وما لا يدخل تحت اختياره ولا يراه من نفسه. فنقول: الورع والتقوى والعبادة والعمل الذي به يعجب إنما يعجب به من حيث إنه فيه فهو محله ومجراه، أو من حيث إنه منه وبسببه وبقدرته وقوته؛ فإن كان يعجب به من حيث إنه فيه وهو محله ومجراه يجري فيه وعليه من جهة غيره فهذا جهل، لأن المحل مسخر ومجرى لا مدخل له في الإيجاد والتحصيل، فكيف يعجب بما ليس إليه؟ وإن كان يعجب به من حيث إنه هو منه وإليه وباختياره حصل وبقدرته تم، فينبغي أن يتأمل في قدرته وإرادته وأعضائه وسائر الأسباب التي بها يتم عمله أنها من أين كانت له؟ فإن كان جميع ذلك نعمة من الله عليه من غير حق سبق له ومن غير وسيلة يدلي بها فينبغي أن يكون إعجابه بجود الله وكرمه وفضله، إذ أفاض عليه ما لا يستحق وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة فمهما برز الملك لغلمانه ونظر إليهم وخلع من...

علاح الكبر بالعلم

. السبب السادس: الكبر بالعلم، وهو أعظم الآفات وأغلب الأدواء وأبعدها عن قبول العلاج إلا بشدة شديدة وجهد جهيد، وذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله عند الناس، وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما، بل لا قدر لهما أصلاً إلا إذا كان معهما علم وعمل. ولذلك قال كعب الأحبار: إن للعلم طغياناً كطغيان المال. وكذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: العالم إذا زل زل بزلته عالم فيعجز العالم عن أن لا يستعظم نفسه بالإضافة إلى الجاهل لكثرة ما نطق الشرع بفضائل العلم. ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا بمعرفة أمرين: أحدهما أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما يحتمل عشره من العالم، فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش، إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم ولذلك قال ﭬ "يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحا فيطيف به أهل النار فيقولون ما لك؟ فيقول كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشر وآتيه" وقد مثل الله سبحانه وتعالى من يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب فقال عز وجل "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحم...

علاج الكبر بالنسب والمال والجمال

ولكنا نذكر طريق العلاج من العلم والعمل في جميع الأسباب السبعة. الأول: النسب فمن يعتريه الكبر من جهة النسب ليداو قلبه بمعرفة أمرين. "أحدهما" أن هذا جهل من حيث إنه تعزز بكمال غيره، ولذلك قيل: لئن فخرت بآباء ذوي شـرف لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا فالمتكبر بالنسب إن كان خسيساً في صفات ذاته فمن أين يجبر خسته بكمال غيره؟ بل لو كان الذي ينسب إليه حياً لكان له أن يقول: الفضل لي: ومن أنت وإنما أنت دودة خلقت من بولي؟ أفترى أن الدودة التي خلقت من بول إنسان أشرف من الدودة التي من بول فرس؟ هيهات! بل هما متساويان والشرف للإنسان لا للدودة. الثاني أن يعرف نسبه الحقيقي، فيعرف أباه وجده فإن أباه القريب نطفة قذرة وجده البعيد تراب ذليل وقد عرفه الله تعالى نسبه فقال "الذين أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين" فمن أصله التراب المهين الذي يداس بالأقدام ثم خمر طينة حتى صار حمأ مسنوناً كيف يتكبر؟ وأخس الأشياء ما إليه انتسابه إذ يقال يا أذل من التراب ويا أنتن من الحمأة ويا أقذر من المضغة. فإن كان كونه من أبيه أقرب من كونه من التراب فنقول: افتخر بالق...

علاج الكبر

بيان الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع لهاعلم أن الكبر من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه، وإزالته فرض عين ولا يزول بمجرد التمني بل بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له. وفي معالجته مقامانأحدهما استئصال أصله من سنخه وقلع شجرته من مغرسها في القلب. الثاني دفع العارض منه بالأسباب التي بها يتكبر الإنسان على غيره. المقام الأول في استئصال أصله، وعلاجه علمي وعملي، ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما:أما العلمي: فهو أن يعرف نفسه ويعرف ربه تعالى ويكفيه ذلك في إزالة الكبر، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة، وإذا عرف ربه علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله، أما معرفته ربه وعظمته ومجده فالقول فيه يطول وهو منتهى علم المكاشفة، وأما معرفته نفسه فهو أيضاً يطول ولكن نذكر من ذلك ما ينفع في إثارةالتواضع والمذلة، ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة في كتاب الله فإن القرآن علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته وقد قال تعالى "قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم ...

التكبر بالمال والجمال

. الرابع: التفاخر بالجمال وذلك أكثر ما يجري بين النساء ويدعو ذلك إلى التنقص والثلب والغيبة وذكر عيوب الناس ومن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخلت امرأة على النبي ﭬ فقلت بيدي هكذا أي أنها قصيرة فقال النبي ﭬ "قد اغتبتها" وهذا منشؤه خفاء الكبر لأنها لو كانت أيضاً قصيرة لما ذكرتها بالقصر، فكأنها أعجبت بقامتها واستقصرت المرأة في جنب نفسها فقالت

التكبر بالعلم

. فإن قلت: فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبراً وأمناً؟ فاعلم أن لذلك سببين: "أحدهما" أن يكون اشتغاله بما يسمى علماً وليس علماً حقيقياً، وإنما العلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه، وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه، وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن. قال الله تعالى "إنما يخشى الله من عباده العلماء" فأما ما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة

ذم التكبر

وقال بعضهم: كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة. روي أنه خرج يونس وأيوب والحسن يتذاكرون في التواضع فقال لهم الحسن: أتدرون ما التواضع؟ التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً. وقال مجاهد. إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح عليه السلام شمخت الجبال وتطاولت وتواضع الجودي فرفعه الله فوق الجبال وجعل قرار السفينة عليه. وقال أبو سليمان:

اسباب الكبر

. بيان البواعث على التكبر وأسبابه المهيجة له اعلم أن الكبر خلق باطن، وأما ما يظهر من الأخلاق والأفعال فهي ثمرة ونتيجة، وينبغي أن تسمى تكبراً. ويخص اسم الكبر بالمعنى الباطن الذي هو استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير، وهذا الباطن له موجب واحد وهو العجب الذي يتعلق بالمتكبر - كما سيأتي معناه - فإنه إذا أعجب بنفسه وبعلمه وبعمله أو بشيء من أسبابه استعظم وتكبر. وأما الكبر الظاهر فأسبابه ثلاثة: سبب في المتكبر

الآثار ذم الكبر

. الآثار: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا يحقرن أحد أحداً من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير. وقال وهب: لما خلق الله جنة عدن نظر إليها فقال أنت حرام على كل متكبر. وكان الأحنف بن قيس يجلس مع مصعب بن الزبير على سريره، فجاء يوماً ومصعب ماد رجليه فلم يقبضهما، وقعد الأحنف فزحمه بعض الزحمة فرأى أثر ذلك في وجهه فقال: عجباً لابن آدم يتكبر وقد

ذم الكبر

. بيان ذم الكبر قد ذم الله الكبر في مواضع من كتابه وذم كل جبار متكبر فقال تعالى "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق" وقال عز وجل "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار" وقال تعالى "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" وقال تعالى "إنه لا يحب المستكبرين" وقال تعالى "لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً" وقال تعالى "إن الذين

العلاج العملي للحسد

وأما العمل النافع فيه فهو أن يحكم الحسد فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه فإن حمله الحسد على القدح في محسوده كلف لسانه المدح له والثناء عليه وإن حمله على التكبر عليه ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه وإن بعثه على كف الإنعام عليه ألزم نفسه الزيادة في الإنعام عليه فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود طاب قلبه وأحبه ومهما ظهر حبه عاد الحاسد فأحبه وتولد من ذلك الموافقه التي تقطع مادة الحسد لأن التواضع والثناء

علاج الحسد

 ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية الجهل فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك فإنك أيضا لا تخلو عن عدو يحسدك فلو كانت النعمة تزول بالحسد لم يبق لله تعالى عليك نعمة ولا على أحد من الخلق ولا نعمة الإيمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان قال الله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من

دواء الحسد

 الدواء ال ذي ينفي مرض الحسد عن القلب اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيهما ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة أما

الحسد بين الاقران

بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والإخوة وبني العم والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم الأسباب التي ذكرناها وإنما يقوى بين قوم تجتمع جملة من هذه الأسباب فيهم وتتظاهر إذ الشخص الواحد يجوز أن يحسد لأنه قد يمتنع عن قبول التكبر ولأنه يتكبر ولأنه عدو ولغير ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنما

اسباب الحسد

بيان أسباب الحسد والمنافسة أما المنافسة فسببها حب ما فيه المنافسة فإن كان ذلك أمرا دينيا فسببه حب الله تعالى وحب طاعته وإن كان دنيويا فسببه حب مباحات الدنيا والتنعم فيها وإنما نظرنا الآن في الحسد المذموم ومداخله كثيرة جدا ولكن يحصر جملتها سبعة أبواب العداوة والكبر والتعجب والخوف من فوت المقاصد المحبوبة وحب الرياسة وخبث النفس وبخلها فإنه مما

الغبطة

فإذا لا حرج على من يغبط غيره في نعمة ويشتهي لنفسه مثلها مهما لم يحب زوالها عنه ولم يكره دوامها له نعم إن كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة فهذه المنافسة واجبة وهو أن يحب أن يكون مثله لأنه إذا لم يكن يحب ذلك فيكون راضيا بالمعصية وذلك حرام وإن كانت النعمة من الفضائل كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات فالمنافسة فيها مندوب إليها وإن كانت نعمة يتنعم بها على وجه مباح فالمنافسة فيها مباحة وكل ذلك يرجع إلى إرادة مساواته واللحوق به في النعمة وليس فيها كراهة النعمة وكان تحت هذه النعمة أمران أحدهما راحة المنعم عليه والآخر ظهور نقصان غيره وتخلفه عنه وهو يكره أحد الوجهين وهو تخلف نفسه ويحب مساواته له ولا حرج على من يكره تخلف نفسه ونقصانها في المباحات نعم ذلك ينقص من الفضائل ويناقض الزهد والتوكل والرضا ويحجب عن المقامات الرفيعة ولكنه لا يوجب العصيان وههنا دقيقة غامضة وهو أنه إذا أيس من أن ينال مثل تلك النعمة وهو يكره تخلفه ونقصانه فلا محالة يحب زوال النقصان وإنما يزول نقصانه إما بأن ينال مثل ذلك أو بأن تزول نعمة المحسود فإذا انسد أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطر...

اضرار الحسد

وقال بكر بن عبد الله كان رجل يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به إلى الملك فقال إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر فقال له الملك وكيف يصح ذلك عندي قال تدعوه إليك فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر فقال له انصرف حتى انظر فخرج من عند الملك فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملك على عادته فقال احسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فقال له الملك أدن مني فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فقال الملك في نفسه ما أرى فلانا إلا قد صدق قال وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أو صلة فكتب له كتابا بخطه إلى عامل من عماله إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنا وابعث به إلي فأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به فقال ما هذا الكتاب قال خط الملك لي بصلة فقال هبه لي فقال هو لك فأخذه ومضى به إلى العامل فقال العامل في كتابك أن أذبحك وأسلخك قال إن الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري ...

فضيلة الرفق

فضيلة الرفق اعلم أن الرفق محمود ويضاده العنف والحدة والعنف نتيجة الغضب والفظاظة والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة وقد يكون سبب الحدة الغضب وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاءه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال ولأجل هذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرفق وبالغ فيه فقال يا عائشة إنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة حديث يا عائشة إنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من خير الدنيا والآخرة الحديث رواه أحمد والعقيلي في الضعفاء في ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي وضعفه عن القاسم عن عائشة وفي الصحيحين من حديثها يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله وقال صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق حديث إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق أخرجه أحمد بسند جيد والبيهقي في الشعب بسند ضعيف من حديث عائشة وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق...

فضيلة العفو

وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعا على من ظلمه فقد انتصر وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الله عز وجل الخلائق يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ثلاثة أصوات يا معشر الموحدين إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض حديث أنس إذا بعث الله عز وجل الخلائق يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ثلاثة أصوات يا معشر الموحدين إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض أخرجه أبو سعيد أحمد بن إبراهيم المقري في كتاب التبصرة والتذكرة بلفظ ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة يا أمة محمد إن الله تعالى يقول ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي وإسناده ضعيف ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ نادى مناد يا أهل الجمع تناكروا المظالم بينكم وثوابكم علي وله من حديث أم هانيء ينادي مناد يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض وعلي الثواب وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال ما تقولون وما تظنون فقالوا نقول أخ وابن عم حليم رحيم قالوا ذلك ثلاثا فقال صلى الله علي...

معني الحقد ونتائجه

لقول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى وقد قال صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس بحقود حديث المؤمن ليس بحقود تقدم في العلم فالحقد ثمرة الغضب والحقد يثمر ثمانية أمور الأول الحسد وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه فتغثم بنعمة إن أصابها وتسر بمصيبة إن نزلت به وهذا من فعل المنافقين وسيأتي ذمه إن شاء الله تعالى الثاني أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن فتشمت بما أصابه من البلاء الثالث أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك الرابع وهو دونه أن تعرض عنه استصغارا له الخامس أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وغيره السادس أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه السابع إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه الثامن أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة وكل ذلك حرام وأقل درجات الحقد أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة ولا تخرج بسبب الحقد إلى ما تعصي الله به ولكن تستثقله في الباطن ولا تنهي قلبك عن بغض...

فضيلة الحلم

 وقال معاوية رحمه الله تعالى لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وصبره شهوته ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم وقال معاوية لعمرو بن الأهتم أي الرجال أشجع قال من رد جهله بحلمه قال أي الرجال أسخى قال من بذل دنياه لصلاح دينه وقال أنس بن مالك في قوله تعالى فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم إلى قوله عظيم هو الرجل يشتمه أخوه فيقول إن كنت كاذبا فغفر الله لك وإن كنت صادقا فغفر الله لي وقال بعضهم شتمت فلانا من أهل البصرة فحلم علي فاستعبدني بها زمانا وقال معاوية لعرابة بن أوس بم سدت قومك يا عرابة قال يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن جاوزني فهو أفضل مني ومن قصر عني فأنا خير منه وسب رجل ابن عباس رضي الله عنهما فلما فرغ قال يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها فنكس الرجل رأسه واستحى وقال رجل لعمر بن عبد العزيز أشهد أنك من الفاسقين فقال ليس تقبل شهادتك وعن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم أنه سبه رجل فرمى إليه بخميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم فقال بعضهم جمع له خمس خصال محمودة الحلم وإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعد من الله عز و...

فضيلة الحلم

. بيان فضيلة الحلم اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم أي تكلف الحلم ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب وهو الحلم الطبيعي وهو دلالة كمال العقل واستيلائه وانكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا قال صلى الله عليه وسلم إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتخير الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه حديث إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم الحديث أخرجه الطبراني والدارقطني في العلل من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف وأشار بهذا إلى أن اكتساب الحلم طريقة التحلم أولا وتكلفه كما أن اكتساب العلم طريقة التعلم وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة والحلم لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه ولا تكونوا من جبابرة العلماء فيغلب جهلكم حلمكم حديث أبي هريرة اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة والحلم الحديث أخرجه ابن السني في رياضة المتعلمين بسند ضعيف وأشار بهذا إلى أن التكبر والتجبر هو الذي يهيج الغض...

فضيلة كظم الغيظ

فضيلة كظم الغيظ قال الله تعالى والكاظمين الغيظ وذكر ذلك في معرض المدح وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره ومن خزن لسانه ستر الله عورته حديث من كف غضبه كفي الله عنه عذابه الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان واللفظ له من حديث أنس بإسناد ضعيف ولابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر من ملك غضبه وقاه الله عذابه الحديث وقد تقدم في آفات اللسان وقال صلى الله عليه وسلم أشدكم من غلب نفسه عند الغضب وأحلمكم من عفا عند القدرة حديث أشدكم من ملك نفسه عند الغضب وأحلمكم من عفا عند القدرة أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث علي بسند ضعيف والبيهقي في الشعب بالشطر الأول من رواية عبد الرحمن بن عجلان مرسلا بإسناد جيد وللبزار والطبراني في مكارم الأخلاق واللفظ له من حديث أشدكم أملككم لنفسه عند الغضب وفيه عمران القطان مختلف فيه وقال صلى الله عليه وسلم من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه لأمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا وفي رواية ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا حديث من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا وفي رواية أمنا وإيمانا ...

علاج الغضب بعد هيجانه

. بيان علاج الغضب بعد هيجانه ما ذكرناه هو حسم لمواد الغضب وقطع لأسبابه حتى لا يهيج فإذا جرى سبب هيجه فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل أما العلم فهو ستة أمور الأول أن يتفكر في الأخبار التي سنوردها في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال فيرغب في ثوابه فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن التشفي والانتقام وينطفيء عنه غيظه قال مالك بن أوس ابن الحدثان غضب عمر على رجل وأمر بضربه فقلت يا أمير المؤمنين خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فكان عمر يقول خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فكان يتأمل في الآية وكان وقافا عند كتاب الله مهما تلي عليه كثير التدبر فيه فتدبر فيه وخلى الرجل وأمر عمر بن عبد العزيز بضرب رجل ثم قرأ قوله تعالى والكاظمين الغيظ فقال لغلامه خل عنه الثاني أن يخوف نفسه بعقاب الله وهو أن يقول قدرة الله علي أعظم من قدرتي على هذا الإنسان فلو أمضيت غضبي عليه لم آمن أن يمضي الله غضبه علي يوم القيامة أحوج ما أكون إلى العفو فقد قال تعالى في بعض الكتب القديمة يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين ...

الاسباب المهيجة للغضب

بيان الأسباب المهيجة للغضب قد عرفت أن علاج كل علة حسم مادتها وإزالة أسبابها فلا بد من معرفة أسباب الغضب وقد قال يحيى لعيسى عليهما السلام أي شيء أشد قال غضب الله قال فما يقرب من غضب الله قال أن تغضب قال فما بيدي الغضب وما ينبته قال عيسى الكبر والفخر والتعزز والحمية والأسباب المهيجة للغضب هي الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع وتميت العجب بمعرفتك بنفسك كما سيأتي بيانه في كتاب الكبر والعجب وتزيل الفخر بأنك من جنس عبدك إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد وإنما اختلفوا في الفضل أشتاتا فبنو آدم جنس واحد وإنما الفخر بالفضائل والفخر والعجب والكبر أكبر الرذائل وهي أصلها ورأسها فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك فلم تفتخر وأنت من جنس عبدك من حيث البنية والنسب والأعضاء الظاهرة والباطنة وأما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه إذا عرفت ذلك وأما الهزل فتزيله...

تدرج المريد في تحسين اخلاقه

. فكذلك الشيخ المتبوع الذي يطبب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم. وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم. بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته. فإن كان المريد مبتدئاً جاهلاً بحدود الشرع فيعلمه أولاً الطهارة والصلاة وظواهر العبادات، وإن كان مشغولاً بمال حرام أو مقارفاً لمعصية فيأمره أولاً بتركها، فإذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن لأخلاقه وأمراض قلبه: فإن رأى معه مالاً فاضلاً عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلته منه حتى لا يلتفت إليه، وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال، فإن عزة النفس والرياسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذل أعظم من ذل السؤال فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه، فإن الكبر من الأمراض ا...

كيفية معرفة عيوب النفس

. بيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه اعلم أن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه. فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق: الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ويحكمه في نفسه ويتبع إشارته في مجاهدته. وهذا شأن المريد مع شيخه والتلميذ مع أستاذه، فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه. وهذا قد عز في الزمان وجوده. الثاني: أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً فينصبه رقيباً على نفسه ليلاحظ أحوالها وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة الظاهرة ينبهه عليه. فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين. كان عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله امرأ أدهى إلى عيوبي. وكان يسأل سلمان عن عيوبه فلما قدم عليه قال له: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ فاستعفى فألح عليه فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة، وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل، قال: وهل بلغك غير هذا؟ قال: لا،...

لطائف الرياضة

. ومن لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يسخو بترك الرعونة رأساً أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها دفعة؛ فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، كالذي يغسل الدم بالبول، ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم. كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه، ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب، ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه، ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة. فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة فلينقل إلى جاه أخف منه، وكذلك سائر الصفات. وكذلك إذا رأى شره الطعام غالباً عليه ألزمه بالصوم وتقليل الطعام، ثم يكلفه أن يهيئ الأطعمة اللذيذة ويقدمها إلى غيره وهو لا يأكل منها حتى يقوي بذلك نفسه فيتعود الصبر وينكسر شرهه. وكذلك إذا رآه شاباً متشوقاً إلى النكاح وهو عاجز عن الطول فيأمره بالصوم، وربما تسكن شهوته بذلك فيأمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء. ويمنعه اللحم والأدم رأساً حتى تذل نفسه وتنكسر شوكته. فلا علاج في مبدأ الإرادة أنفع من الجوع. وإن رأى الغضب غالباً عليه ألزمه الحلم والسكوت وسلط عليه من يصحبه م...

مقصود العبادات

وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب، وإنما يتأكد تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات. وغاية هذه الأخلاق أن ينقطع عن النفس حب الدنيا ويرسخ فيها حب الله تعالى فلا يكون شيء أحب إليه من لقاء الله تعالى عز وجل، فلا يستعمل جميع ماله إلا على الوجه الذي يوصله إليه وغضبه وشهوته من المسخرات له فلا يستعملهما إلا على الوجه الذي يوصله إلى الله تعالى، وذلك بأن يكون موزوناً بميزان الشرع والعقل، ثم يكون بعد ذلك فرحاً به مستلذاً له، ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد تصير هي قرة العين. ومصير العبادات لذيذة فإن العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك؛ فإنا قد نرى الملوك والمنعمين في أحزان دائمة، ونرى المقامر قد يغلب عليه من الفرح واللذة بقماره وما هو فيه ما يستثقل معه فرح الناس بغير قمار، مع أن القمار ربما سلبه ماله وخرب بيته وتركه مفلساً ومع ذلك فهو يحبه ويلتذ به، وذلك لطول إلفه له وصرف نفسه إليه مدة. وكذلك اللاعب بالحمام قد يقف طول النهار في حر الشمس قائماً على رجليه وهو لا يحس بألمها لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحليقها في جو السماء، بل نرى الفاجر العيار يفتخر بنفسه وبقوته في الصبر على ذل...

سبب نيل حسن الخلق

. بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة. وإلى اعتدال قوة الغضب والشهوة، وكونها للعقل مطيعة وللشرع أيضاً. وهذا الاعتدال يحصل على وجهين: أحدهما: بجود إلهي وكمال فطري بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل حسن الخلق قد كفى سلطان الشهوة والغضب، بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع فيصير عالماً بغير تعليم ومؤدباً بغير تأديب كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام وكذا سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. ولا يبد أن يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب فرب صبي خلق صادق اللهجة سخياً جرياً، وربما يخلق بخلافه، فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطة المتخلقين بهذه الأخلاق، وربما يحصل بالتعلم. والوجه الثاني: اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة وأعني به حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب. فمن أراد مثلاً أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفاً مجاهداً نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعاً له ويتيسر عليه فيصير به جواداً، وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خ...

قبول الأخلاق للتغيير

. بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة اعلم أن بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق، فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه وخبث دخلته فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فإن الطباع لا تتغير. واستدل فيه بأمرين؛ أحدهما: أن الخلق هو صورة الباطن كما أن الخلق هو صورة الظاهر. فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلاً ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيراً ولا القبيح يقدر على تحسين صورته، فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى. والثاني: أنهم قالوا حسن الخلق يقمع الشهوة والغضب. وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة. فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده. فنقول: لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ولما قال رسول الله ﭬ "حسنوا أخلاقكم" وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإم...