التكبر بالعلم

. فإن قلت: فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبراً وأمناً؟ فاعلم أن لذلك سببين: "أحدهما" أن يكون اشتغاله بما يسمى علماً وليس علماً حقيقياً، وإنما العلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه، وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه، وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن. قال الله تعالى "إنما يخشى الله من عباده العلماء" فأما ما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة
والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات، فإذا تجرد الإنسان لها حتى امتلأ بها كبراً ونفاقاً، وهذه بأن تسمى صناعات أولى من أن تسمى علوماً، بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية وطريق العبادة، وهذه تورث التواضع غالباً. السبب الثاني أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيئ الأخلاق، فإنه لم يشتغل أولاً بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ولم يرض نفسه في عبادة ربه فيبقى خبيث الجوهر، فإذا خاض في العلم - أي علم كان - صادف العلم من قلبه منزلاً خبيثاً فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره. وقد ضرب وهب لهذا مثلاً فقال: العلم كالغيث ينزل من السماء حلواً صافياً فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة، فكذلك العلم تحفظه الرجال فتحوله على قدر هممها وأهوائها، فيزيد المتكبر كبراً والمتواضع تواضعاً، وهذا لأن من كان همته الكبر وهو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبراً، وإذا كان الرجل خائفاً مع جهله فازداد علماً علم أن الحجة قد تأكدت عليه فيزداد خوفاً وإشفاقاً وذلاً وتواضعاً، فالعلم من أعظم ما يتكبر به، ولذلك قال تعالى لنبيه عليه السلام "واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين" وقال عز وجل "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" ووصف أولياءه فقال "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" وكذلك قال ﭬ فيما رواه العباس رضي الله عنه "يكون قوم يقرؤون القرآن لا يجاور حناجرهم يقولون: قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منها ومن أعلم منها" ثم التفت إلى أصحابه وقال "أولئك منكم أيها الأمة أولئك هم وقود النار" ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا تكونوا جبابرة العلماء فلا يفي علمكم بجهلكم. ولذلك استأذن تميم الداري عمر رضي الله عنه في القصص فأبى أن يأذن له وقال: إنه الذبح، واستأذنه رجل كان إمام قوم أنه إذا سلم من صلاته ذكرهم فقال: إني أخاف أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا. وصلى حذيفة بقوم فلما سلم من صلاته قال: لتلتمسن إماماً غيري أو لتصلن وحداناً فإني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني. فإذا كان مثل حذيفة لا يسلم فكيف يسلم الضعفاء من متأخري هذه الأمة؟ فما أعز على بسيط الأرض عالماً يستحق أن يقال له عالم ثم إنه لا يحركه عز العلم وخيلاؤه، فإن وجد ذلك فهو صديق زمانه، فلا ينبغي أن يفارق بل يكون النظر عليه عبادة فضلاً عن الاستفادة من أنفاسه وأحواله؛ لو عرفنا ذلك ولو في أقصى الصين لسعينا إليه رجاء أن تشملنا بركته وتسري إلينا سيرته وسجيته، وهيهات! فأنى يسمح آخر الزمان بمثلهم؟ فهم أرباب الإقبال وأصحاب الدول قد انقرضوا في القرن الأول ومن يليهم، بل يعز في زماننا عالم يختلج في نفسه الأسف والحزن على فوات هذه الخصلة، فذلك أيضاً إما معدوم وإما عزيز. ولولا بشارة رسول الله ﭬ بقوله "سيأتي على الناس زمان من تمسك فيه بعشر ما أنتم عليه نجا" لكان جديراً بنا أن نقتحم والعياذ بالله تعالى ورطة اليأس والقنوط مع ما نحن عليه من سوء أعمالنا، ومن لنا أيضاً بالتمسك بعشر ما كانوا عليه، وليتنا تمسكنا بعشر عشره. فنسأل الله تعالى أن يعاملنا بما هو أهله ويستر علينا قبائح أعمالنا كما يقتضيه كرمه وفضله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيفية معرفة عيوب النفس

سبب نيل حسن الخلق

لطائف الرياضة