علاج الكبر بالنسب والمال والجمال
ولكنا نذكر طريق العلاج من العلم والعمل في جميع الأسباب السبعة.
الأول: النسب فمن يعتريه الكبر من جهة النسب ليداو قلبه بمعرفة أمرين. "أحدهما" أن هذا جهل من حيث إنه تعزز بكمال غيره، ولذلك قيل:
لئن فخرت بآباء ذوي شـرف لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا فالمتكبر بالنسب إن كان خسيساً في صفات ذاته فمن أين يجبر خسته بكمال غيره؟ بل لو كان الذي ينسب إليه حياً لكان له أن يقول: الفضل لي: ومن أنت وإنما أنت دودة خلقت من بولي؟ أفترى أن الدودة التي خلقت من بول إنسان أشرف من الدودة التي من بول فرس؟ هيهات! بل هما متساويان والشرف للإنسان لا للدودة. الثاني أن يعرف نسبه الحقيقي، فيعرف أباه وجده فإن أباه القريب نطفة قذرة وجده البعيد تراب ذليل وقد عرفه الله تعالى نسبه فقال "الذين أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين" فمن أصله التراب المهين الذي يداس بالأقدام ثم خمر طينة حتى صار حمأ مسنوناً كيف يتكبر؟ وأخس الأشياء ما إليه انتسابه إذ يقال يا أذل من التراب ويا أنتن من الحمأة ويا أقذر من المضغة.
فإن كان كونه من أبيه أقرب من كونه من التراب فنقول: افتخر بالقريب دون البعيد، فالنطفة والمضغة أقرب إليه من الأب فليحقر نفسه بذلك، ثم إن كان ذلك يوجب رفعة لقربة فالأب الأعلى من التراب فمن أين رفعته؟ وإذا لم يكن له رفعة فمن أين جاءت الرفعة لولده؟ فإذن أصله من التراب وفصله من النطفة فلا أصل له ولا فصل. وهذه غاية خسة النسب فالأصل يوطأ بالأقدام والفصل تغسل منه الأبدان. فهذا هو النسب الحقيقي للإنسان ومن عرفه لم يتكبر بالنسب ويكون مثله بعد هذه المعرفة وانكشاف الغطاء له عن حقيقة أصله كرجل لم يزل عند نفسه من بني هاشم وقد أخبره بذلك والداه فلم يزل فيه نخوة الشرف فبينما هو كذلك إذ أخبره عدول لا يشك في قولهم أنه ابن هندي حجام يتعاطى القاذورات، وكشفوا له وجه التلبيس عليه فلم يبق له شك في صدقهم، أفترى أن ذلك يبقي شيئاً من كبره؟ لا بل يصير عند نفسه أحقر الناس وأذلهم فهو من استشعار الخزي لخسته في شغل عن أن يتكبر على غيره. فهذا حال البصير إذا تفكر في أصله وعلم أنه من النطفة والمضغة والتراب. إذ لو كان أبوه ممن يتعاطى نقل التراب أو يتعاطى الدم بالحجامة أو غيرها لكان يعلم به خسة نفسه لمماسة أعضاء أبيه للتراب والدم، فكيف إذا عرف أنه في نفسه من التراب والدم والأشياء القذرة التي يتنزه عنها هو في نفسه؟ السبب الثاني: التكبر بالجمال، ودواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء ولا ينظر إلى باطنه نظر البهائم. ومهما نظر إلى باطنه رأى من القبائح ما يكدر عليه تعززه بالجمال فإنه وكل به الأقذار في جميع أجزائه: الرجيع في أمعائه والبول في مثانته والمخاط في أنفه والبزاق في فيه والوسخ في أذنيه والدم في عروقه والصديد تحت بشرته والصنان تحت إبطه، يغسل الغائط بيده كل يوم دفعة أو دفعتين، ويتردد كل يوم إلى الخلاء مرة أو مرتين ليخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلاً عن أن يمسه أو يشمه، كل ذلك ليعرف قذارته وذله هذا في حال توسطه. وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور، من النطفة ودم الحيض، وأخرج من مجرى الأقذار. إذ خرج من الصلب ثم من الذكر مجرى البول ثم من الرحم مفيض دم الحيض ثم خرج من مجرى القذر قال أنس رحمه الله: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخطبنا فيقذر إلينا أنفسنا ويقول: خرج أحدكم من مجرى البول مرتين. وكذلك قال طاوس لعمر بن عبد العزيز: ما هذه مشية من في بطنه خراء؟ إذ رآه يتبختر، وكان ذلك قيل خلافته وهذا أوله ووسطه.
ولو ترك نفسه في حياته يوماً لم يتعهدها بالتنظيف والغسل لثارت منه الأنتان والأقذار، وصار أنتن وأقذر من الدواب المهملة التي لا تتعهد نفسها قط. فإذا نظر أنه خلق من أقذار وأسكن في أقذار، وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن وكلون الأزهار في البوادي، فبينما هو كذلك إذ صار هشيماً تذروه الرياح، كيف ولو كان جمالة باقياً وعن هذه القبائح خالياً لكان يجب أن لا يتكبر به على القبيح، إذ لم يكن قبح القبيح إليه فينفيه ولا كان جمال الجميل إليه حتى يحمد عليه؟ كيف ولا بقاء له بل هو في كل حين يتصور أن يزول بمرض أو جدري أو قرحة أو سبب من الأسباب؟ فكم من وجوه جميلة قد سمجت بهذه الأسباب؟ فمعرفة هذه الأمور تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها.
السبب الثالث: التكبر بالقوة والأيدي، ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلط عليه من العلل والأمراض، وأنه لو توجع عرق واحد فيه يده لصار أعجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل، وأنه لو سلبه الذباب شيئاً لم يستنفذه منه وأن بقة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته، وأن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته، وأن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة. فمن لا يطيق شوكة ولا يقاوم بقة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة فلا ينبغي أن يفتخر بقوته! ثم إن قوي الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل وأي افتخار في صفة يسبقك فيها البهائم؟
السبب الرابع والخامس: الغنى وكثرة المال، وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار والتكبر بولاية السلاطين والتمكن من جهتهم، وكل ذلك تكبر بمعنى خارج عن ذات الإنسان كالجمال والقوة والعلم. وهذا أقبح أنواع الكبر، فإن المتكبر بماله كأنه متكبر بفرسه وداره ولو مات فرسه وانهدمت داره لعاد ذليلاً، والمتكبر بتمكين السلطان وولايته لا بصفة في نفسه بنى أمره على قلب هو أشد غلياناً من القدر، فإن تغير عليه كان أذل الخلق، وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته فهو ظاهر الجهل، كيف والمتكبر بالغنى لو تأمل لرأى في اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل؟ فأف لشرف يسبقك به اليهودي! وأف لشرف يأخذه السارق في لحظة واحدة فيعود صاحبه ذليلاً مفلساً؟ فهذه أسباب ليست في ذاته، وما هو في ذاته ليس إليه دوام وجوده وهو في الآخرة وبال ونكال، فالتفاخر به غاية الجهل، وكل ما ليس إليك فليس لك، وشيء من هذه الأمور ليس إليك بل إلى واهبه إن أبقاه لك وإن استرجعه زال عنك، وما أنت إلا عبد مملوك لا تقدر على شيء. ومن عرف ذلك لا بد وأن يزول كبره.
ومثاله: أن يفتخر الغافل بقوته وجماله وماله وحريته واستقلاله وسعة منازله وكثرة خيوله وغلمانه، إذ شهد عليه شاهدان عدلان عند حاكم منصف بأنه رقيق لفلان وأن أبويه كانا مملوكين له، فعلم ذلك وحكم به الحاكم، فجاء مالكه فأخذه، وأخذ جميع ما في يده، وهو مع ذلك يخشى أن يعاقبه وينكل به لتفريطه في أمواله وتقصيره في طلب مالكه ليعرف أنه له مالكاً، ثم نظر العبد فرأى نفسه محبوساً في منزل قد أحدقت به الحيات والعقارب والهوام وهو في كل حال على وجل من كل واحدة منها، وقد بقي لا يملك نفسه ولا ماله ولا يعرف طريقاً في الخلاص البتة، أفترى من هذا حاله هل يفخر بقدرته وثروته وقوته وكماله أم يذل نفسه ويخضع؟ وهذا حال كل عاقل يصير فإنه يرى نفسه كذلك فلا يملك رقبته وبدنه وأعضاءه وماله، وهو مع ذلك بين آفات وشهوات وأمراض وأسقام هي كالعقارب والحيات يخاف منها الهلاك. فمن هذا حاله لا يتكبر بقوته وقدرته إذ يعلم أنه لا قدرة له ولا قوة. فهذا طريق علاج التكبر بالأسباب الخارجة وهو أهون من علاج التكبر بالعلم والعمل، فإنهما كمالان في النفس جديراً بأن يفرح بهما، ولكن التكبر بهما أيضاً نوع من الجهل خفي كما سنذكره.
تعليقات
إرسال تعليق